سيد محمد طنطاوي

123

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

أنواع وساوسها ، صار هذا الفعل سهلا عليه ، فكأن النفس جعلت بوساوسها العجيبة هذا الفعل كالمطيع له ، بعد أن كان كالعاصى المتمرد عليه ، فهذا هو المراد بقوله : * ( فَطَوَّعَتْ لَه نَفْسُه قَتْلَ أَخِيه ) * « 1 » . هذا ، والآية الكريمة بعد كل ذلك ، تشير إلى شناعة الجريمة في ذاتها من حيث الباعث عليها ، إذ الباعث عليها هو الحسد ومن حيث الصلة بين القاتل والمقتول إذ هي صلة أخوة تقتضي المحبة والمودة والتراحم ومن حيث ذات الفعل فإنه أكبر جريمة بعد الإشراك باللَّه - تعالى - . قال الآلوسي : أخرج الشيخان وغيرهما عن ابن مسعود - رضى اللَّه عنه - قال : قال رسول اللَّه - صلى اللَّه عليه وسلم « لا تقتل نفس ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها . لأنه أول من سن القتل » وأخرج ابن جرير والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن عمر - رضى اللَّه عنه - قال : « إنا لنجد ابن آدم القاتل ، يقاسم أهل النار العذاب . عليه شطر عذابهم » « 2 » . ثم حكى القرآن بعض ما حدث بعد قتل الأخ أخاه فقال : * ( فَبَعَثَ اللَّه غُراباً يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَه كَيْفَ يُوارِي سَوْأَةَ أَخِيه قالَ يا وَيْلَتى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ ) * . وقوله : * ( فَبَعَثَ ) * من البعث بمعنى الإرسال . وهو هنا مستعمل في الإلهام بالطير إلى ذلك المكان بحيث يراه قابيل . والغراب : طائر معروف . قالوا : والحكمة في كونه المبعوث دون غيره من الطيور أو الحيوان ، لأنه يتشاءم به في الفراق والاغتراب . أو لأن من عادة الغراب دفن الأشياء . وقوله : * ( يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ ) * أي : ينبش التراب بمنقاره ورجليه بحيث يستخرجه من الأرض ، ليعمل ما يشبه الحفرة . والتعبير بالمضارع ، للإشارة إلى أن البحث قد مكث وقتا ، وكان مجال استمرار . وقوله : * ( لِيُرِيَه ) * إما متعلق بقوله * ( فَبَعَثَ ) * فيكون الضمير في الفعل للَّه - تعالى - أو متعلق بقوله : * ( يَبْحَثُ ) * فيكون الضمير للغراب . قال القرطبي : قال مجاهد : بعث اللَّه غرابين فاقتتلا حتى قتل أحدهما الآخر ثم حفر فدفنه - فتعلم قابيل ذلك من الغراب - وكان ابن آدم هذا أول من قتل . وقيل إن الغراب

--> ( 1 ) تفسير الفخر الرازي ج 11 ص 207 ( 2 ) تفسير الآلوسي ج 6 ص 115